العلامة المجلسي
22
بحار الأنوار
وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه : الأول : أنه تمثيل للهدى الذي دل عليه الآيات البينات في جلاء مضمونها وظهور ما تضمنته من الهدى بالمشكاة المنعوتة . أو تشبيه للهدى من حيث إنه محفوظ من ظلمات أوهام الناس وخيالاتهم بالمصباح ، وإنما ولى الكاف المشكاة لاشتمالها عليها ، وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس . أو تمثيل لما نور الله به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المثبت فيها من مصباحها ، ويؤيده قراءة أبي مثل نور المؤمن . أو تمثيل لما منح الله عباده من القوي الدراكة الخمس المترتبة التي بها المعاش والمعاد ، وهي الحاسة التي تدرك المحسوسات بالحواس الخمس ، والخيالية التي تحفظ صورة تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت ، والعلمية التي تدرك الحقائق الكلية ، والمفكرة وهي التي تؤلف المعقولات لتستنتج منها علم ما لم تعلم ، والقوة القدسية التي يتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء المعنية بقوله تعالى : " ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا " بالأشياء الخمسة المذكورة في الآية ، وهي المشكاة ، والزجاجة ، والمصباح ، والشجرة ، والزيت ، فإن الحاسة كالمشكاة لان محلها كالكوة ، ووجهها إلى الظاهر لا يدرك ما وراءها وإضاءتها بالمعقولات لا بالذات ، والخيالية كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب وضبطها للأنوار العقلية ، وإنارتها بما يشتمل عليها من المعقولات ، والعاقلة كالمصباح لإضاءتها بالادراكات الكلية ، والمعارف الإلهية ، والمفكرة كالشجرة المباركة لتأديتها إلى ثمرات لا نهاية لها ، والزيتونة المثمرة بالزيت الذي هو مادة المصابيح التي لا تكون شرقية ولا غربية ، لتجردها عن اللواحق الجسمية ، أو لوقوعها بين الصور والمعاني متصرفة في القبيلتين ، منتفعة من الجانبين ، والقوة القدسية كالزيت فإنها لصفائها وشدة ذكائها تكاد زيتها تضيئ بالمعارف من غير تفكر ولا تعليم . أو تمثيل للقوة العقلية في مراتبها بذلك فإنها في بدء أمرها خالية عن العلوم ، مستعدة لقبولها كالمشكاة ، ثم ينتقش بالعلوم الضرورية بتوسط إحساس الجزئيات ، بحيث يتمكن من تحصيل النظريات فتصير كالزجاجة متلألئة في نفسها قابلة للأنوار ،